عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

39

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

وللعرب في البطنة أخبار كثيرة ولطيفة من ذلك أنه قد « اصطحب شيخ وحدث من الأعراب في سفر ، وكان لهما قرص في كل يوم ، وكان الشيخ مخلع الأضراس ، وكان الحدث يبطش بالقرص ثم يقعد يشكو العشق ، والشيخ يتضور جوعا ، وكان الحدث يسمى جعفرا . فقال الشيخ فيه : لقد رابني من جعفر أن جعفرا * يطيش بقرصي ثم يبكي على جمل فقلت لو مسّك الحبّ لم تبت * بطينا ونسّاك الهوى شدة الأكل « 1 » وكأنما أدرك هذا الشيخ بفطرته العلاقة الواضحة بين مرض العشق والطعام . فالمحب الصادق هو الذي يسقمه الحب ويزهده في الشهوة إلى الطعام ، لا ذاك الذي يسمى أكولا بطينا . كما نفر العرب القدماء من البطنة فإنهم نصحوا بالحمية وأوصوا بها ولا سيما أطباؤهم . وقد تأثروا في ذلك بما أخذوه من الطب اليوناني وبما توصلوا اليه من بحث في أهمية الاقلال من الطعام للمحافظة على صحة الجسم من أمراض الهضم وما يتولد عن ذلك من العلل المختلفة . لقد قيل لبقراط : « مالك تقل الأكل جدا ؟ قال : إني إنما آكل لأحيا وغيري يحيا ليأكل « 2 » » . وقيل لبعض الحكماء : « أي الأدواء أطيب ؟ قال الجوع ، ما ألقيت اليه من شيء قبله » « 3 » . وقيل لآخر : ما أفضل الدواء : قال : أن ترفع يدك عن الطعام وأنت تشتهيه . وأجمعت الأطباء على أن رأس الداء كله إدخال الطعام على الطعام ، وقالوا : « احذروا إدخال اللحم على اللحم ، فإنه ربما قتل السباع في القفر . وأكثر العلل كلها إنما يتولد من فضول الطعام » « والحمية علاج مأخوذ عن النبيّ ( ص ) : فقد رأى صهيبا يأكل تمرا وبه رمد ، فقال ، أتأكل تمرا وأنت أرمد » . كما دخل على عليّ رضي اللّه عنه ، وهو عليل وبيده عنقود عنب ، فنزعه من يده . وقال عليه الصلاة والسلام : « لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب ، فإن اللّه

--> ( 1 ) العقد الفريد : ج 26 ، ص 299 . ( 2 ) نفس المصدر : ج 6 ، ص 303 ، وما بعدها . « وألقيت من شيء قبله : أي لا يعادله شيء » . ( 3 ) نفس المصدر : ج 6 ، ص 303 ، وما بعدها . « وألقيت من شيء قبله : أي لا يعادله شيء » .